أثرياء المليار متابع

بقلم: د. ندى أحمد جابر

629

المُتابعون ليسوا عملة رقمية تحتمل الجدل.. هم حقيقة بشرية.. ثروة حقيقة بأرقام وأرصدة تتجاوز الملايين من الدولارات، حسابات في البنوك، وعقارات، وسيارات، وكل ما يمكن أن تتخيله. كلها تأتي من أعداد المُتابعين. ثروة قد تهبط فجأة بكل ملايينها بمجرد نشر محتوى قد يكون هادفاً، أو تافهاً، المهم خاصية أن يكون مميزاً، وقادراً على جذب أكبر عدد من المشاهدات والمتابعين، وهذا ما يُترجم غالباً إلى ألوف وملايين الدولارات تهبط كما المعجزات على صانع المحتوى، سواء كان قاصداً، أو هو محض صدفة ساقها القدر إليه، إذ صادف وجوده في هذا المكان، وفي هذه اللحظة التي أجاد التقاطها، ونشرها، واستمر في تطوير محتواه والعمل الجاد على زيادة المتابعين له.

هذا الإعلام وصَلنا مع التقدم التكنولوجي، وانتشار الإنترنت، وسهولة تحويل الهواتف إلى استوديوهات تصوير، والتطبيقات الى مساعد مخرج، أصبح لذلك الشاب الطموح الذي لا يحتاج إلى أن يطرق أبواب الإعلام التقليدي ليصل إلى الناس.. أصبح أمامه أبواب مُشرعة، يكتب، ويقرأ، ويحلل، ويصنع محتوى يثير به اهتمام الناس، فيكثر المُتابعون وتنفتح أمامه أبواب الشهرة والمال.

ولدراسة هذه الظاهرة المهمة من حيث كونها مصدر رزق، ومن حيث كونها مؤثرة في تكوين المجتمعات والتأثير المباشر في الأفراد.. لدراستها بشكل مُعمق علينا أن نعود للبداية. علماً بأننا في هذه العُجالة نتناول المحتوى المصور(الفيديو) فقط، وهو الأكثر متابعة.. بدأ هذا السوق بالتحديد مع (تشاد هيرلي) (Chad Hurley) و(ستيف تشين) (Steve chen) و(جاويد كريم) (Jawe Karim)، حيث جاءت الفكرة على أساس تنزيل مقاطع فيديوهات على الإنترنت، لتكون متاحة للمشاهدة في كل أنحاء العالم من خلال تطبيق (يوتيوب)، وهو التطبيق الذي اشتراه فيما بعد (غوغل) بمبلغ (1.65 مليار دولار أمريكي).

الفكرة الأولى كانت من (كريم) الذي قال فيما بعد، إن من مصادر الإلهام جاءته من (تسونامي المحيط الهندي)، عام 2004 حيث لم يتمكن أحد من العثور على فيديوهات حية توثق الحادثة. يُذكر أن أول فيديو ظهر على الإنترنت اسمه (أنا في حديقة الحيوان)، والذي حمّله كان (جاويد كريم) في عام 2006، ولم يكن لدى يوتيوب شهرة.. ولم يكن يعلم (كريم) أنه فتح باب إعلام جديد، وباب رزق كبير لمن يُسمّون اليوم (مُؤثرون)، وطبعاً قامت منصات أخرى بتقليد اليوتيوب، وهكذا فتحت مغارة (على بابا) أبوابها المملوءة بالمفاجآت المبهرة، أمام الشباب الموهوب، والمُتابعين المُتعطشين لإعلام غير تقليدي.. إعلام الصحفي المواطن، والصحفي الإنسان.. وهكذا خرج الإعلام من الأسوار التقليدية التي كانت تديره كما تشاء، ليصبح بأيدي الناس، وهواتفهم، وليصبح الأقرب والأصدق في نظرهم.. هو الإعلام الذي احتار فيه الباحثون والعاملون في هذا المجال. الأسئلة كانت كثيرة، أهمها: ما هي أسباب انتشار مُؤثر معين عن غيره؟ ومن أين هي مصادر الأموال؟

أما عن مصادر المال، فهي غالباً ليست من المنصات، كما يظن البعض، بل من مردود الإعلانات التي تحظى بها المنصات من وراء هذا المُؤثر، أو مباشرة من المُعلن إلى المُؤثر، أو من شراكة إعلامية، أو رعاية للمحتوى، وهكذا سرق المُؤثرون الإعلانات من الشاشات التقليدية، وأصبح لكل مُؤثر فريق عمل كامل، يُشرف على المحتوى، ويُنظم عمله.. هو عالم جديد وإعلام يستحق أن نتوقف طويلاً عنده لندرس أبعاده، بخاصة أنه يمس المجتمعات بشكل مباشر.

هو إعلام الناس، والتجربة الأخيرة التي شهدناها خلال حرب غزة أثبتت أنه إعلام حرّ، ولأول مرة تضطر شركات الإعلان للإذعان لأعداد المتابعين، وخوفاً من هذا الواقع قامت بعض المنصات بوضع خوارزميات خاصة تحد من انتشار منشورات تظهر حقيقة المجازر ضد الأطفال.. ورغم ذلك لم تتغير أعداد المتابعين الرافضين للإبادة الجماعية.. نعم، هي أسواق جديدة للكسب المادي اخترعها زمن التكنولوجيا. لكنها أيضاً فضاء بمساحة حرية واسعة تكفل للإنسان أن يبحث عن الحقيقة، مخترقاً كل الحواجز التقليدية القديمة، وأكثر يجر معه الإعلان إلى حيث يشاء المُتابعون، لا إلى حيث تشاء مصلحة المُعلن السياسية، حيث تغلب هنا مصلحته المادية..

أما الجواب عن السؤال الأول لماذا هذا المُؤثر يحظى بأكبر عدد من المتابعين من دون غيره؟ فهو ببساطة لأنه.. صادق.. وحقيقي.

فالمضمون الجاذب في زمن المنافسة ليس سهلاً، هو اجتهاد، وحظ معاً. لا نختلف مع من يصفون بعض المحتويات بأنها تافهة وسطحية.. لكن هناك الهادف الصادق الذي يظهر من خلال رفض الناس بمختلف جنسياتهم للقتل، والدمار، والتهجير القسري.

نعم نجح هذا الإعلام الجديد بإثارة التظاهرات العالمية التي دعت إلى وقف إطلاق النار.. نجح في نقل صور المعاناة التي يعيشها أهل غزة المحاصرة، منذ سنوات، حتى أصبحوا هم (الترند)، بعد أن كان العالم لا يسمع بهذه البقعة الصغيرة، ولا يعرف شيئاً عما يدور فيها. نجح المؤثرون رغم سدود الخوارزميات بنقل الحقيقة التي يحبها الناس. نعم ملّ العالم من الكذب.. الصدق هو ما يميز مُؤثر معين، عن غيره..

أثرياء المليار مُتابع.. غيّروا واقع الإعلام، وغيروا سطوة الإعلان.. هو زمن الحقيقة زمن الإعلامي الإنسان.

* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

nadajaber3@hotmail.com

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار