المتع الخفية!

596

هل فكرت يوماً أن المشاعر المؤلمة أو تلك الحانقة والمولدة للاستهجان التي تفعلها فينا بعض الأعمال الفنية هي شكل من أشكال «الحالة الجمالية»! لست بسطوري هذه في محاولة لتغيير قناعات البعض ممن قد لا يصفون عملاً بالجميل إلا عندما يرتاحون له، ويكون مما يبعث لديهم السرور والبهجة، وإنما في محاولة لإعادة تصنيف مشاعرنا أمام ما لا نرتاح له، أو لا نحبه -كمفردة أكثر تداولاً- فالقناعة بحقيقة الفرق بين الأمرين كفيلة بتقليل درجات الاختلاف الصدامي مع من قد لا يتفق معنا حول عمل ما، وتقبل الحالة الذوقية لديه، وهو ما نجده -بشكل أكثر وضوحاً- في عشاق السينما، فهناك من يعشق أفلام الرعب أو الفانتازيا -على سبيل المثال- ومنهم من لا يطيق هذين الصنفين ولكنه موقن بوجود حالة جمالية في أعمال كهذه، الأمر الذي ينسحب على تقبله لأي درجة حفاوة وتكريم يحيطها غيره على عمل لم يحبه.

تقدير إبداعات الآخرين بشكل عام والاعتراف بالحالة الجمالية فيها، يختلف عن إحساسنا بمشاعر الميل أو الحب تجاهها، فتلك الأحاسيس التي تعتمل بدواخلنا أثناء قراءة عمل ما -قراءة بمعنى التأمل- والتغيرات العصبية التي تطرأ علينا -المختلفة بطبيعة الحال عن حالتنا العصبية قبل التوقف أمام العمل- لا يمكن العبور عليها كلها بتجاهل، فجملة تلك الأحاسيس تجاه الإبداع هي المحددة للحالة الجمالية الناتجة عن العمل، سواء كانت غضباً أو فرحاً، ألماً أو لذة، استحساناً أو استهجاناً، رفضاً أو قبولاً، وما بين كل تلك التناقضات من أطياف متباينة سواء أفلح البشر في وصفها أو لم يفلحوا للآن؟

نركن نحن البشر عادة للأعمال التي تثير فينا المشاعر المريحة، ولهذا قد يبدو موقفنا متشنجاً تجاه غيرها من الأعمال المستفزة لمشاعرنا، ولو تأملنا حقيقة انعكاسات أعمال كهذه علينا، لتأكدنا من جماليتها، بل والدرجة العالية من الجمالية فيها، فالأسهل أن تركن إلى ما يريحك وما يبهجك وهو ما سيكون نادراً أن تبني شيئاً بعده، بينما ما يستفز مشاعرك وقد يثير حنقك وغضبك ويجعلك تطرح أسئلة وتحاول الإجابة عنها مستدلاً بحجج في تحدي العمل، هو بالتأكيد الأقوى، لأن من الطبيعي أن يكون هناك توابع لذلك.

إن المتعة الجمالية في العمل هي المحفزة -على سبيل المثال- لضربات القلب واتساع حدقة العين أو ضيقها، وهي حالات لاإرادية، واستجابات يوجدها العمل المريح والمستفز على حد سواء، المبهج منها والمؤلم، هذه المتعة، هي تجليات الحالة الجمالية، التي إن تمكنا من القبض عليها فسنقترب أكثر من الجوهر الإنساني وتفسير ماهية الحياة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار